تميز مهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlin International Film Festival) عن غيره من المهرجانات الكبرى بكونه الأكثر صراحة في تبني القضايا السياسية بين المهرجانات الأوروبية الرئيسية. نشأ المهرجان في مدينة منقسمة، وتأثر بواقع الحرب الباردة، وبنى سمعته على أفلام واجهت السلطة والصراع والانقسام الاجتماعي بشكل مباشر.
إلا أن الدورة الحالية (السادسة والسبعين للمهرجان)، أثارت جدلاً متزايداً حول ما إذا كان هذا الإرث يتغير الآن بهدوء، من خلال الحذر الإداري، والقلق بشأن التمويل، والضغوط السياسية غير المباشرة. في ظل قيادته الجديدة، برئاسة مديرة المهرجان تريشيا تاتل، يجد مهرجان برلين السينمائي نفسه في خضم مشهد ثقافي ألماني متوتر بشكل متزايد.
ويرى النقاد أن النتيجة ليست رقابة صريحة، ولكنها إبعاد ممنهج للأفلام ذات الطابع السياسي الملح، والتي تدافع عن غزة، عن مسابقة الدب الذهبي، وحصرها في أقسام جانبية مثل "المنتدى" (Forum) و"بانوراما" (Panorama)، وهي أقسام تحظى بالتقدير لتجريبها، ولكنها معزولة هيكلياً عن أعلى مستويات التقدير الرمزي والمؤسسي للمهرجان.
تغيير سياسي
جاءت بداية هذا التحول خلال دورتي 2024 و2025، وذلك عندما أثارت خطابات توزيع الجوائز وتصريحات السجادة الحمراء وأفلام مختارة تناولت غزة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني ردود فعل سياسية عنيفة في ألمانيا. وقد حذر الناقد بيتر برادشو في مقال له بصحيفة "الغارديان" (The Guardian) من أن برلين تدخل مرحلة "لم يعد فيها الخطاب السياسي مجرد نقاش، بل يخضع لرقابة فعّالة من خلال الضغط المؤسسي".
وأشارت الصحيفة لاحقا إلى أن الهيئات الثقافية الألمانية تكافح من أجل التوفيق بين الالتزامات الدستورية بحرية التعبير وبين الإجماع السياسي المتزايد الصرامة بشأن إسرائيل وفلسطين. وبحلول الوقت الذي تولت فيه تريشيا تاتل القيادة رسميا، ورثت ما وصفه أحد تحليلات مجلة "فارايتي" (Variety) بأنه "مهرجان يعمل في ظل حساسية سياسية استثنائية، حيث لم تعد قرارات البرمجة معزولة عن الخطاب الوطني".